عبد الملك الجويني
201
نهاية المطلب في دراية المذهب
فيه ، وما أتى به لحاجة ، فالذي قطع به الأئمة أنه إذا أتى بحرفين ، بطلت صلاته . وحكى ابن أبي هريرة نصاً عن الشافعي : أن التنحنح لا يبطل الصلاة أصلاً ؛ فإن الذي يأتي به - على ما يُعهد - ليس آتيا بحروف محققةٍ ؛ فهو كصوت غُفل . قال القفال : بحثت عن النصوص ، فلم أر ما ذكره ، وأنا سأعود في أثناء الكلام إلى هذا . وأقول الآن : إذا صار المصلي بحيث لا يتأتى منه القراءة المفروضة ما لم يتنحنح ، فكأن ( 1 ) اختنق أو اغتص بلقمة ؛ فإنه يتنحنح ولا يضره ذلك ، مع مسيس الحاجة التي وصفناها . ولو كان في صلاة جهرية ، وقد عسر عليه الجهر لو لم يتنحنح ، وما عسرت القراءة سراً ، فهل له أن يتنحنح ليجهر ويقيم شعار الجهر وكان إماماً ؟ فيه وجهان مشهوران : أقيسهما : المنع ؛ فإن الجهر أدب وهيئة ، وترك ما هو من قبيل الكلام حتم ، ولا يتجه وجه الجواز إلا بشيء ، وهو أن التنحنح في أثناء القراءة يُعد من توابع القراءة ، ومن ترديد الصوت بها ، ولا يُعد كلاماً منقطعاً عن القراءة . ولعل ابن أبي هريرة نقل ذلك القول في أثناء القراءة ، فينقدح توجيهه ، وإن لم تكن حاجة ماسة كما ذكرته ، وإن كان بعيداً . فأما التنحنح لا في حالة استياق ( 2 ) القراءة ، فيبعد المصير إلى أنه لا يُبطل ، فكان مأخذ الكلام في التنحنح الجاري في القراءة [ أنه يُبطل في ظاهر المذهب ، إذا لم يتعذّر أصل القراءة ] ( 3 ) ، فإن تعذر رفعُ الصوت ، ففيه الخلاف المعروف ، ووجهه أنه مع الحاجة في القراءة كأنه تابع ، وعن هذا قد يتجه أنه إذا لم تكن حاجة أيضاً ، لا يُبطل ، إذا كان في خلال القراءة . وحكى شيخي عن القفال أنه كان يقول : لو طبق شفتيه وتنحنح ، لم تبطل صلاته ، وإنما التفصيل فيه إذا كان يتنحنح فاتحاً فَاه . وهذا ممّا انفرد به القفال ، وصار إلى أن
--> ( 1 ) كذا في نسخة الأصل وحدها ، وفي باقي النسخ : " وكان " . ( 2 ) في ( ل ) : " اتساق القراءة " . ( 3 ) ما بين المعقفين زيادة من : ( ت 1 ) ، ( ت 2 ) .